تخطَّ إلى المحتوى الرئيسي
الأصول المشفرة والعملات الرقمية بالمغرب

تمهيد

أصبحت الأصول المشفرة تثير أسئلة قانونية عملية، فقد يشتري شخص وحدات من البتكوين، أو يتلقى بها مقابلاً لخدمة، أو يسلم أمواله إلى منصة تتولى الاستثمار لحسابه؛ وهذه العمليات لا تخضع بالضرورة لحكم واحد، لأن القانون ينظر إلى حقيقة التصرف وطريق انتقال المال والحقوق التي يطالب بها صاحبه، ولا يكتفي بالاسم الذي يطلقه المتعاملون عليه.

ينطلق البحث من أن الموقف المعلن للسلطات المالية المغربية يقيد استعمال العملات الافتراضية، وأن مسودة مشروع القانون رقم 42.25 تمثل مساراً نحو تنظيم الأصول المشفرة؛ ولا يكفي نشر مشروع أو الإعلان عنه لإثبات إباحة نافذة، إذ يرتبط تطبيق القانون باستكمال إصداره ونشره وحلول تاريخ سريانه، وفي حدود المصادر المتحقق منها لا تعتمد هذه الدراسة وجود إباحة عامة منجزة.،

وتتمثل الإشكالية في معرفة القواعد التي تحكم الأصول المشفرة بالمغرب، وحدود تطبيق قوانين الصرف والأنشطة المالية والقواعد المدنية والجنائية عليها، وكيف يمكن حماية السيادة النقدية وحقوق المتضررين مع احترام مبدأ شرعية التجريم او الشرعية الجنائية ، ثم ما الذي يتغير إذا دخل قانون خاص بهذه الأصول حيز التنفيذ؟

يعتمد البحث تحليل النصوص وربطها بأمثلة عملية، مع الاستئناس بالقضاء المغربي والمقارن؛ ويُفصل فيه بين القانون النافذ ومشروع القانون، وبين ما يثبت من الحكم القضائي وما يستفاد منه على سبيل التحليل.

المبحث الأول تحديد المفاهيم والتكييف القانوني

النقد القانوني هو النقد الذي يمنحه القانون قوة خاصة في الوفاء بالديون، ومعنى القوة الإبرائية أن أداءه وفق الشروط القانونية يبرئ ذمة المدين؛ وقد نصت المادة 55 من القانون رقم 40.17 المتعلق بالقانون الأساسي لبنك المغرب على أن (القوة الإبرائية التي تكتسبها الأوراق المصدرة من لدن البنك غير محدودة)، أما النقود المعدنية فتحدد قوتها الإبرائية بحسب فئاتها والنصوص المطبقة عليها، مع الأحكام الخاصة بالقطع التذكارية؛ ولذلك لا يصبح الأصل نقداً قانونياً لمجرد ارتفاع ثمنه أو قبول بعض الأشخاص التعامل به.

أما النقود الإلكترونية، فقد حددتها المادة 6 من القانون رقم 103.12 المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها باعتبارها (قيمة نقدية تمثل ديناً على المصدر)، وتكون مخزنة على دعامة إلكترونية ومصدرة مقابل تسليم أموال لا تقل قيمتها عن القيمة المصدرة، ويقبلها في الأداء أشخاص غير مصدرها؛ ومعنى ذلك أن صاحب الرصيد تكون له مطالبة في مواجهة جهة مصدرة، فلا يتعلق الأمر بمجرد أرقام محفوظة في هاتف.

ولتوضيح الفكرة، فإن الرصيد الذي تصدره جهة مرخصة مقابل مبلغ تسلمه العميل إليها يمكن أن يندرج ضمن النقود الإلكترونية متى استوفى الشروط القانونية؛ أما البتكوين فلا يتضمن في ذاته وعداً من بنك أو شركة برد مبلغ محدد لحامله، وإن كانت المنصة التي تحفظه لحساب عميلها قد تتحمل التزامات تعاقدية مستقلة تجاهه.

والأصل المشفر، في معناه العام، قيمة أو حق ممثل بصورة رقمية يمكن نقله أو حفظه بوسائل تقنية، منها السجلات الموزعة؛ وهذه السجلات قواعد بيانات تتوزع نسخها بين عدة جهات، وتتيح تتبع العمليات وفق قواعد الشبكة، أما سلسلة الكتل فهي أحد أشكال تنظيم هذه السجلات، وليست مرادفاً لكل استعمال رقمي أو لكل أصل مشفر.

كذلك تختلف العملة الرقمية التي قد يصدرها بنك مركزي عن البتكوين، فالأولى تستند إلى جهة نقدية عامة ويحدد القانون نظامها، أما الثاني فلا يصدر عن بنك مركزي؛ كما أن الوديعة البنكية أو التحويل المنجز بواسطة تطبيق يظلان خاضعين لنظامهما الأصلي، ولا يتحولان إلى أصل مشفر لمجرد استعمال الإنترنت.

ولا يكفي وصف الشيء بأنه (أصل رقمي) لتحديد حكمه القانوني، فهذا تعبير واسع قد يشمل صوراً وحقوقاً وحسابات مختلفة، أما الأصل المشفر فيتعلق بفئة أضيق؛ والسؤال الحاسم هو ما الذي يمنحه الرمز الرقمي فعلاً لصاحبه، وعلى من يستطيع أن يطالب بهذا الحق، وما النص الذي يحكم إصداره وتداوله.

فإذا قيل إن رمزاً يمثل سهماً في شركة، وجب التحقق من أن حق المساهمة نشأ وفق قانون الشركات وقواعد الأدوات المالية، وأن الإصدار والتفويت استوفيا شروطهما؛ ولا يصبح الرمز سهماً لمجرد أن مصدره سماه كذلك، كما أن رمزاً يشير إلى عقار لا يقوم وحده مقام عقد التفويت والتقييد العقاري الواجبين قانوناً، وهذه أمثلة تفسيرية لا تفترض قبول القانون المغربي لكل صورة من صور الترميز.

وإذا كان الرمز يتيح الانتفاع بخدمة، كاستعمال مساحة رقمية أو برنامج، فإن ما يطالب به حامله يتحدد بعقد الخدمة وشروطه؛ وإذا قُدم على أنه قابل للاسترداد مقابل عملة أو أصل معين، وجب التحقق من وجود التزام حقيقي بالاسترداد ومن شروطه والجهة الملزمة به، ولا تكفي عبارة (عملة مستقرة) لإثبات ضمان القيمة أو انعدام المخاطر.

أما البتكوين، فامتلاك وحداته لا ينشئ في ذاته ديناً على بنك مركزي أو شركة مصدرة، وقد تكون له قيمة سوقية لأن أشخاصاً يقبلون شراءه؛ لكن وجود مشترين وسعر قابل للتحديد يثبت واقعاً اقتصادياً، ولا يثبت وحده أن اكتسابه مشروع في جميع الصور أو أن على الدائن قبوله بدلاً من الدرهم.

ويجب كذلك التمييز بين السيطرة التقنية والحق القانوني، فالمفتاح الخاص وسيلة تتيح إصدار أوامر التصرف في الأصل، ومن حصل عليه قد يقدر تقنياً على نقله، غير أن هذه القدرة لا تثبت وحدها أنه مالكه أو مخول له قانوناً التصرف فيه؛ كما أن إيداع الأصل لدى منصة قد يجعل العلاقة متصلة بالتزاماتها تجاه العميل، تبعاً لشروط الحفظ.

وبذلك تكون أمامنا مسائل مستقلة، هي قيمة الأصل، والحق الذي يمثله، ومشروعية التعامل فيه، وقابليته لإبراء الدين؛ ولهذا تختلف دعوى دائن يرفض وفاءً بعملة مشفرة عن دعوى ضحية يطالب برد قيمة استولى عليها الغير، ولا يحسم النزاعان بمجرد إطلاق وصف (عملة) أو (أصل) على محل المعاملة.

المبحث الثاني النظام العام المالي وحدود المنع

تتصل السيادة النقدية بقدرة الدولة على تنظيم النقد ووسائل الوفاء وحركة الرساميل، ويتدخل النظام العام المالي لحماية استقرار السوق والمتعاملين معاً؛ فهو يمنع ممارسة أنشطة معينة دون اعتماد، ويضع قواعد للشفافية واليقظة، غير أن القول بمخالفة النظام العام يقتضي بيان القاعدة الآمرة التي وقع خرقها، ولا يصلح وحده بديلاً عن النص القانوني.

وتؤكد بلاغات مكتب الصرف أن المعاملات بالعملات الافتراضية مخالفة لتنظيم الصرف، وأن المعاملات المالية مع الخارج يجب أن تمر عبر الوسطاء المعتمدين وبالعملات المسعرة لدى بنك المغرب، كما حذرت السلطات المالية من استعمال العملات الافتراضية ومن مخاطرها؛ وتكشف هذه البلاغات عن الموقف الرسمي، أما الحكم بالعقوبة فيجب أن يستند إلى النص القانوني المنطبق على الفعل وثبوت شروطه.

وبالنسبة للمعاملات الخارجية، يشكل ظهير 30 غشت 1949 المتعلق بزجر مخالفات تنظيم الصرف أحد النصوص الأساسية، إلى جانب النصوص المنظمة للصرف وتعليمات التطبيق؛ وقد دخلت التعليمات العامة لعمليات الصرف لسنة 2026 حيز التنفيذ في فاتح يناير 2026 وفق إعلان مكتب الصرف؛ ولا يعني تحرير بعض العمليات الخارجية منح ترخيص عام لاقتناء الأصول المشفرة أو تجاوز شروط العملية المسموح بها.،

وينبغي التمييز بين الاحتفاظ بأصل في محفظة رقمية، وشرائه بواسطة تحويل إلى الخارج، وبيعه محلياً، وتلقيه مقابلاً لخدمة، وتشغيل منصة لفائدة الجمهور؛ فالمحفظة هنا وسيلة لإدارة الوصول إلى الأصول، ولا تعني بالضرورة وجود حساب بنكي، وفي كل صورة يلزم تحديد مصدر المال وصفة الأطراف وإقامتهم وطريق انتقال القيمة.

ويصعب أحياناً تحديد العنصر الأجنبي لأن الشبكة موزعة بين عدة دول؛ فالحواسيب التي تتحقق من المعاملة ليست بالضرورة المستفيد من المال، ولذلك ينظر إلى الطرف المتعاقد والمنصة الحافظة والحساب الممول والمستفيد الحقيقي، ولا يكفي موقع خادم لوحده أو عنوان محفظة لإثبات جميع العناصر القانونية للتحويل.

كما أن استعمال سلسلة الكتل لحفظ وثائق أو تتبع بيانات لا يثبت بذاته إصدار نقد أو تحويل أموال؛ فالتقنية قد تستعمل في أغراض مختلفة، ويكون محل الفحص هو النشاط الذي تنجزه والحقوق التي يرتبها.

المبحث الثالث المسؤولية الجنائية عن العمليات المرتبطة بالأصول المشفرة

يحكم الموضوع مبدأ شرعية التجريم، فقد نص الفصل 3 من مجموعة القانون الجنائي على أنه (لا يسوغ مؤاخذة أحد على فعل لا يعد جريمة بصريح القانون ولا معاقبته بعقوبات لم يقررها القانون)؛ ومعنى ذلك أن خطورة التعامل أو حداثة التقنية لا تكفيان لإحداث جريمة، بل يلزم تحديد الفعل الذي يعاقب عليه النص وإثبات عناصره.

ومن ثم لا يستخلص تجريم مجرد الحيازة من غياب الاعتراف بالبتكوين نقداً قانونياً؛ فقد تكون الواقعة تحويل أموال محظوراً أو ممارسة نشاط مالي دون اعتماد أو تصرفاً في عائدات جريمة، ويخضع كل وصف لشروطه، دون أن يعني هذا التمييز إعلان مشروعية جميع طرق اكتساب الأصل أو استعماله.

وفي مخالفات الصرف يجب تحديد الالتزام الذي جرى خرقه والمعاملة المرتبطة بالخارج ومسار المال، إلى جانب احترام شروط المتابعة؛ فالنسخة المنشورة من ظهير 30 غشت 1949 تتضمن في الفصل 9 اشتراط شكوى السلطة المالية المختصة أو ممثلها المؤهل، مع وجوب مراعاة التعديلات والاختصاصات اللاحقة عند تطبيق النص ذي الصياغة التاريخية.

ويُقترح، عند بحث واقعة شراء عبر منصة أجنبية، جمع التحويلات البنكية وبيانات صاحب الحساب وإقامة المستفيد وشروط الترخيص أو التفويض المتاحة يوم العملية؛ فوجود تحويل إلى منصة لا يحسم وحده جميع عناصر المتابعة، كما أن تسميته شراء أصل رقمي لا تعفي من مقتضيات الصرف.

وتنص المادة 18 من القانون رقم 103.12، في الجزء المتصل بالموضوع، على أنه (يمنع على كل شخص غير معتمد باعتباره مؤسسة ائتمان أو مؤسسة أداء أن يحترف، بصفة اعتيادية، القيام بالعمليات المشار إليها في المادتين 1 و16 أعلاه)؛ وهي عمليات من بينها تلقي أموال الجمهور وبعض خدمات الأداء، وترتبط المادة 183 بالجزاء الجنائي عن ممارسة العمليات المحجوزة دون الاعتماد اللازم أو خارج نطاقه، فلا تُطبق لمجرد استعمال أصل مشفر.

ومن الناحية التطبيقية، تستدعي منصة تجمع أموال العملاء وتدير التحويلات دراسة مختلفة عن شخص يتداول لحسابه؛ كما يقتضي وعد الجمهور بإرجاع الأموال مع عائد مضمون بحث حقيقة العلاقة المالية، وعدم الاكتفاء بالتسمية التسويقية التي يضعها القائم بالنشاط.

وقد يدخل الاحتيال المرتبط بالأصول المشفرة في الفصل 540 من مجموعة القانون الجنائي متى ثبت التضليل المؤثر في المصالح المالية بقصد الحصول على منفعة، أما تبديد ما سلم لغرض معين أو مع الالتزام برده، فيبحث في ضوء الفصل 547 وشروطه؛ وتقتضي المشاركة وفق الفصل 129 بيان فعل المساعدة أو التحريض والعلم بحسب الصورة القانونية، فلا تكفي العلاقة التقنية بالمعاملة لإثبات المشاركة.

أما غسل الأموال فيخضع للفصل ‎574‑1‎ وما يليه وللقانون رقم 43.05 كما عُدل، خصوصاً بالقانون رقم 12.18؛ وهو يشمل صوراً من اكتساب العائدات أو حيازتها أو تحويلها أو تمويه مصدرها أو المساعدة على ذلك، مع العناصر المعنوية التي يشترطها النص في كل صورة، فلا يُعد كل تحويل للأصول المشفرة غسلاً للأموال لمجرد استعماله هذه الوسيلة.

وتظهر أهمية التمييز في أمثلة بسيطة، فمنصة تعرض أرباحاً وهمية لحمل الضحية على الأداء قد تثير شبهة النصب، ومن يتسلم أموالاً لمهمة محددة ثم يستولي عليها يخضع لفحص طبيعة التسليم والتبديد، أما مقدم خدمة تقنية استُعملت دون ثبوت علمه بالجريمة فلا تنسب إليه المشاركة آلياً؛ وقد يكون الفعل اللاحق جريمة مستقلة دون أن يعد مشاركة في جريمة سابقة.

كما لا تكفي التقلبات السعرية أو خسارة الاستثمار لإثبات الاحتيال، ولا تكفي سرية المحفظة وحدها لإثبات غسل الأموال؛ ويُستخلص القصد من الوقائع المتظافرة، مثل المراسلات والتمويه والهوية المستعملة ومسار العائدات، مع تمكين الدفاع من مناقشة الاستنتاجات التقنية.

المبحث الرابع الآثار المدنية والتعاقدية

وتظهر أهمية التمييز أيضاً في الجانب المدني، فالفصل 57 من قانون الالتزامات والعقود يربط محل الالتزام بدخوله دائرة التعامل، بينما يعالج الفصل 59 الاستحالة بقوله (يبطل الالتزام الذي يكون محله شيئاً أو عملاً مستحيلاً، إما بحسب طبيعته أو بحكم القانون)؛ فعدم مشروعية التصرف واستحالة تنفيذه سببان مختلفان، ويلزم تحديد أيهما يتحقق في النازلة.

أما الفصل 62 فيقرر أن (الالتزام الذي لا سبب له أو المبني على سبب غير مشروع يعد كأن لم يكن)، ويوضح أن السبب يكون غير مشروع إذا خالف الأخلاق الحميدة أو النظام العام أو القانون؛ ولذلك لا يحكم ببطلان كل عقد يتعلق بأصل مشفر بمجرد غياب القوة الإبرائية، بل تفحص العملية والنص الآمر الذي خالفته وصلته بمحل الالتزام أو سببه.

فإذا اشترى شخص سلعة مشروعة بثمن محدد بالدرهم ثم اقترح أداءه بالبتكوين، وجب الفصل بين الدين الأصلي وطريقة الوفاء المقترحة، ولا يلتزم الدائن بقبول أصل لا يمنحه القانون قوة إبرائية؛ أما الاتفاق المصمم أساساً لنقل قيمة إلى الخارج بالمخالفة لتنظيم الصرف، فيقتضي بحث مخالفة العملية وسببها وأثر ذلك على صحة الالتزام، بحسب ما يثبت في الملف.

ومع ذلك لا تساوي المطالبة بتنفيذ عملية ممنوعة ، المطالبة برد مال استولى عليه الغير بطريق الاحتيال، ويقرر الفصل 306 من قانون الالتزامات والعقود أن الالتزام الباطل بقوة القانون لا ينتج أثراً إلا في الحدود المتعلقة باسترداد ما دفع بغير حق تنفيذاً له؛ وتبقى دعوى الرد خاضعة لشروطها وللقيود المرتبطة بالسبب غير المشروع والمصادرة وحقوق الغير، فلا يفترض استحقاق الرد في كل حالة.

وتقتضي المطالبة بالتعويض تحديد الأصل والكمية والتاريخ الذي تقوَّم فيه الخسارة ومصدر السعر والرابطة السببية؛ ولا يُفترض أن أعلى سعر لاحق يمثل الضرر القابل للجبر؛ ويجب التمييز بين خسارة ناتجة عن تقلب السوق وخسارة ترتبت على الاستيلاء أو الإخلال الثابت.

وتخضع حجية الكتابة الإلكترونية لشروطها، ومنها إمكان التعرف على الشخص الذي صدرت عنه وضمان سلامتها، وفق الفصلين ‎417‑1‎ و‎417‑2‎ من قانون الالتزامات والعقود؛ أما العقد الذكي فهو برنامج ينفذ أوامر عند تحقق شروط مبرمجة، وتنفيذه الآلي لا يعفي من فحص الرضا والأهلية ومشروعية الالتزام، كما أن التوقيع التقني على الشبكة لا يستوفي تلقائياً جميع شروط التوقيع الإلكتروني القانونية.

المبحث الخامس الاجتهاد القضائي المغربي وحدود دلالته

ومن أبرز الاجتهادات المتداولة في الموضوع قرار محكمة النقض رقم ‎462/3‎ بتاريخ 24 مارس 2021 في الملف الجنائي عدد ‎1879/6/3/2020‎، الذي تنقله مصادر منها كلمة الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية بمناسبة افتتاح السنة القضائية 2022؛ وتفيد خلاصته المنقولة أن تحويل أموال بصورة غير مشروعة ودون ترخيص من مكتب الصرف، عن طريق شراء البتكوين وتحويلها إلى بنوك خارج البلاد، يشكل مخالفة لتنظيم الصرف.

ويستفاد من هذه الخلاصة أن استعمال أصل رقمي لا يجيز تجاوز القواعد التي تحكم انتقال الأموال إلى الخارج، غير أن نطاق الاستدلال يبقى مرتبطاً بالمضمون المنقول إلى حين مطابقة النسخة الأصلية للقرار، ولا يصح إلحاق تفاصيل الوقائع أو التعليل به دون الاطلاع عليها.

وعليه لا يثبت هذا الاجتهاد، في حدود خلاصته المذكورة، تجريم كل حيازة داخلية أو بطلان جميع العقود أو مساواة الأصول المشفرة بالنقود المزيفة؛ فالحكم المتعلق بتحويل غير مشروع لا يمتد تلقائياً إلى كل استعمال للتقنية.

أما مسؤولية المشارك في النصب الإلكتروني فتقدر وفق القواعد العامة، مع ضرورة إثبات ما قام به كل شخص ومدى علمه بالمشروع الإجرامي؛ ولا يكفي القول إن المتهم فتح محفظة أو أجرى تحويلاً لإسناد جميع الأفعال الاحتيالية إليه، ما لم تتوافر العناصر التي يتطلبها النص.

ولهذا ينبغي أن يبين التعليل القضائي صلة كل متهم بالضحية والمال والوسائل الاحتيالية وتوقيت تدخله، فالخبرة التي تربط جهازاً بعنوان رقمي تقدم معطى تقنياً، ولا تحسم وحدها القصد الجنائي أو ملكية المال أو هوية من نفذ العملية فعلاً.

المبحث السادس الاجتهاد والقانون المقارنان

ومن أجل المقارنة، فقد قضت محكمة العدل للاتحاد الأوروبي بتاريخ 22 أكتوبر 2015 في قضية هيدكفيست، رقم ‎C‑264/14‎، بأن مبادلة العملات التقليدية بالبتكوين والعكس مقابل هامش ربح ،تدخل في نطاق الخدمة بعوض وتستفيد من الإعفاء من الضريبة على القيمة المضافة وفق النص الأوروبي المعني؛ فالقرار يتعلق بالمعاملة الضريبية ولا يمنح البتكوين قوة إبرائية عامة، ولا يطبق الإعفاء ذاته في المغرب دون سند وطني.

والدلالة المقارنة هي إمكان الاعتراف بوظيفة تبادلية لأصل دون مساواته بالنقد السيادي؛ ولا يصح استيراد الإعفاء الأوروبي أو افتراض خضوع الأرباح المغربية لنسبة محددة لمجرد التشابه الاقتصادي؛ إذ تقتضي الضرائب تكييف الدخل وفق النص الوطني الساري.

كما اعتبرت المحكمة العليا بإنجلترا وويلز، في قضية (‎AA v Persons Unknown)‎ بتاريخ 13 ديسمبر 2019، أن البتكوين يمكن أن يكون مالاً قابلاً للحماية لأغراض إصدار أمر تحفظي مرتبط بحق ملكية، في سياق تتبع فدية دفعتها شركة تأمين عقب هجوم إلكتروني؛ ودلالة الحكم هي إمكان حماية مصلحة مالية من الاعتداء دون إسباغ صفة النقد القانوني على الأصل.

ويفيد هذا التمييز في فهم الحماية المدنية، إذ يمكن من حيث التحليل أن يتعلق النزاع باسترداد قيمة مستولى عليها ولو كانت طريقة تداول الأصل مقيدة؛ أما قبول الدعوى وإجراءاتها في المغرب فيظلان خاضعين للقانون المغربي، ولا تنقل أوامر الكشف أو نظريات الملكية الإنجليزية إليه لمجرد الاستشهاد بالحكم.

ورفضت محكمة النقض الفرنسية، الغرفة الجنائية، بتاريخ 15 فبراير 2023، في الطعن رقم ‎22‑81.326‎، طعناً متعلقاً بحجز أصول رقمية في سياق شبهة غسل الأموال؛ واعتمدت ظروف التحويلات وصلتها بالنشاط الإجرامي والقرينة المنصوص عليها في المادة ‎324‑1‑1‎ من القانون الجنائي الفرنسي، كما ناقشت حقوق صاحب المال في الاطلاع على الوثائق المتصلة بالحجز.

ويؤكد هذا المثال ضرورة التمييز بين الحجز التحفظي والإدانة النهائية، وبين قرائن ينص عليها قانون أجنبي والقواعد المغربية؛ فلا يُنقل قلب عبء الإثبات أو نطاق القرينة الفرنسية إلى القضاء المغربي دون سند وطني.

وينظم الاتحاد الأوروبي أسواق الأصول المشفرة بموجب اللائحة رقم ‎2023/1114‎ المعروفة بنظام (‎MiCA)‎، التي تميز بين فئات الأصول ومقدمي خدماتها وتقرر قواعد للاعتماد والإعلام والرقابة؛ وقد بدأ تطبيق أحكامها الأساسية على مراحل خلال سنة 2024، وانتهت المرحلة الانتقالية الوطنية الفرنسية في يوليوز 2026.،

ويشير التحديث السابع لمجموعة العمل المالي الصادر في 16 يوليوز 2026 إلى تقدم الدول في تقييم المخاطر والترخيص أو التسجيل والرقابة وتطبيق قاعدة المعلومات المصاحبة للتحويلات، مع استمرار ثغرات التنفيذ؛ وتبقى هذه المعايير مرجعاً تنظيمياً دولياً، ولا تنشئ بمفردها جريمة وطنية.

المبحث السابع مشروع التقنين وأثره الزمني

وفي المغرب، تثبت مجلة سوق الرساميل الصادرة عن الهيئة المغربية لسوق الرساميل في دجنبر 2025 عرض مسودة المشروع رقم 42.25 للتشاور العام بين 31 أكتوبر و30 نونبر 2025؛ وتشمل الأهداف المعلنة حماية العملاء والمستثمرين ووضع نظام للتأهيل والإشراف وقواعد احترازية ومراقبة داخلية وتنسيق بين السلطات المالية.،

ويتجه هذا المسار إلى تنظيم السوق المالي والخدمات التي يقدمها ، ولا يستفاد من مجرد وجود المشروع أن الأصول المشفرة أصبحت نقداً قانونياً أو أن التداول بها أبيح دون شروط؛ فالقانون النافذ وحده هو الذي يحدد الفئات المسموح بها والتراخيص والقيود وتاريخ التطبيق، ولا تعتمد الدراسة سقوفاً أو أرقاماً مالية غير ثابتة في نص واجب التطبيق.

ويحتاج التنظيم إلى بيان كيفية حفظ أموال العملاء وفصلها عن مال مقدم الخدمة، وما يحق للعميل استرداده عند تعثر المنصة، ومن يتحمل أثر فقدان وسائل الوصول إلى المحفظة؛ كما يلزم توضيح واجبات الإعلام وتعارض المصالح، وهذه توصيات يقترحها البحث وليست نقلاً عن مواد نهائية للمشروع.

كما يستلزم الاتساق تحديد العلاقة بين الترخيص بتقديم خدمات الأصول المشفرة وتنظيم الصرف؛ فترخيص المنصة داخل المغرب لا يعني بذاته تفويض كل تحويل إلى الخارج، ويقتضي الانسجام بيان العمليات المسموح بها والعملات المستعملة وحدود الاحتفاظ بالقيمة خارج البلاد.

ومن أهم آثار أي إصلاح لاحق ما يتصل بالقانون الأصلح للمتهم، فالفصل 5 من مجموعة القانون الجنائي يعالج زوال التجريم ويقرر آثاره على العقوبات، والفصل 6 يوجب تطبيق القانون الأصلح عند تعاقب القوانين بين ارتكاب الجريمة والحكم النهائي، مع مراعاة استثناء القوانين المؤقتة في الفصل 7؛ ولذلك يلزم أولاً التحقق مما إذا كان النص الجديد يزيل التجريم نفسه أو يفتح نشاطاً للمستقبل بشروط.

فالتقنين الذي يشترط اعتماداً لا يمحو تلقائياً واقعة ممارسة نشاط سابق دون اعتماد، كما لا يسقط جريمة نصب أو غسل أموال مستقلة؛ ويقترح إجراء المقارنة على مستوى النص وعناصر الجريمة وشروط الترخيص والمقتضيات الانتقالية، بدلاً من الاحتجاج بعنوان الإصلاح وحده.

وبالنسبة للعقود، لا يلزم من الترخيص اللاحق تصحيح كل اتفاق سابق بأثر رجعي؛ ويتوقف الأمر على القانون الانتقالي وطبيعة سبب البطلان وزمن انعقاد العقد؛ وقد يتيح الوضع الجديد إبرام اتفاق مشروع جديد أو تنفيذ التزام قائم بطريقة مشروعة، دون افتراض تصحيح سابق شامل.

المبحث الثامن الإثبات والحجز والتطبيق العملي

ويبدأ الإثبات العملي بتحديد الأصل والشبكة والكمية وعنوان المحفظة ومعرف المعاملة، وهو الرقم أو الرمز الذي يسمح بتعيينها في السجل، ثم يربط ذلك بكشوف البنك وبيانات المنصة والعقود والمراسلات؛ وتُحفظ المعطيات الأصلية بما يتيح التحقق من سلامتها وعرضها على المناقشة.

فالسجل قد يبين انتقال وحدات بين عنوانين، لكنه لا يبين دائماً هوية الطرفين أو سبب التحويل أو علم المستفيد بالمصدر الإجرامي؛ ولذلك توضح الخبرة الحركة والروابط التقنية، ويستخلص القاضي النتيجة القانونية من مجموع الأدلة.

كما ينبغي معالجة احتمال الحساب المشترك أو سرقة بيانات الدخول أو استعمال منصة حافظة تنفذ العمليات نيابة عن مستخدميها؛ وهذه احتمالات تحقق موضوعي، لا دفوع مفترضة تصح في كل ملف؛ ويُبحث كل احتمال في ضوء الأدلة المتاحة.

وعند الحجز يجب التحقق مما إذا كانت المنصة تحتفظ بوسائل التصرف في الأصل لحساب العميل، أم أن وسائل الوصول تحت سيطرته الشخصية؛ فقد تستطيع المنصة تجميد الحساب في الصورة الأولى، بينما يختلف التنفيذ في الثانية، وتبقى سلطة اتخاذ الإجراء والتعاون مع الجهات الأجنبية خاضعتين للقانون والإجراءات المختصة.

وينبغي أن يحدد الإجراء التحفظي الأصل والكمية والعنوان والأساس القانوني والجهة المكلفة بالحفظ، مع التمييز بين أموال المتابع وحقوق العملاء والغير بحسب الأدلة؛ كما تحفظ المفاتيح الخاصة وعبارات الاسترجاع بسرية، لأنها قد تتيح التصرف في الأصل، ولا تدرج في وثيقة متاحة للعموم.

وتبدأ معالجة النزاع بسؤال واضح عن العملية محل البحث، هل هي حيازة أم شراء أم تحويل أم أداء أم وساطة أم إصدار، ثم يحدد النص الساري وقتها وصفة الأطراف والعنصر الأجنبي وشروط النشاط؛ وبعد ذلك تفحص عناصر المسؤولية وما يثبتها، ويصاغ الطلب الملائم، سواء تعلق بالبراءة أو الرد أو التعويض أو الحماية التحفظية.

وفي الدعوى المدنية، يتعين الفصل بين طلب تنفيذ عين الأصل وطلب قيمته والتعويض عن الضرر؛ وفي الملف الجنائي، يُفصل بين المخالفة الأصلية وغسل الأموال والمشاركة، مع التحقق من أساس كل متابعة وأثر أي تعديل تشريعي لاحق.

خاتمة ونتائج البحث

خاتمة ونتائج البحث

تخلص الدراسة إلى أن الحكم القانوني يتحدد بحسب حقيقة العملية والحقوق التي يرتبها الأصل، فالقيمة السوقية لا تمنحه قوة إبرائية، والتحكم التقني فيه لا يثبت وحده الملكية القانونية، كما أن موقف السلطات من استعماله لا يغني عن تحديد النص المنطبق وشروط المسؤولية.

ولا يقتضي غياب صفة النقد القانوني بطلان جميع العقود، كما لا تثبت الحماية المدنية إباحة كل تداول؛ ويظل الاجتهاد المغربي المشار إليه مرتبطاً، في حدود خلاصته المنقولة، بتحويل أموال إلى الخارج دون الترخيص اللازم، فلا يوسع إلى وقائع لم يتناولها.

أما مسار التقنين فلا ينتج إباحة نافذة إلا باستكمال إصدار القانون ونشره وحلول تاريخ سريانه، وحتى عندئذ تظل جرائم النصب وغسل الأموال ومخالفات الصرف والأنشطة غير المرخصة خاضعة لنصوصها؛ وتعالج الوقائع السابقة وفق قواعد الأثر الزمني والقانون الأصلح للمتهم، بحسب مضمون الإصلاح وأحكامه الانتقالية.،

ويقتضي الأمن القانوني أن يحدد التنظيم الفئات والحقوق والتراخيص بوضوح، وأن ينسق مع قواعد الصرف، ويضبط حماية أموال العملاء والإثبات والحجز والإعسار؛ فبهذه الضوابط يمكن حماية السيادة النقدية والمتعاملين، مع تمكين القضاء من معالجة كل نزاع على أساس قانوني محدد.

الإحالات المرجعية والمصادر المعتمدة

1. التشريعات الوطنية: مجموعة القانون الجنائي (الفصول 5، 6، 7، 324 وما يليه، 540 وما يليه)؛ ظهير الالتزامات والعقود (الفصول 59، 62، 230 وما يليها)؛ ظهير 24 نونبر 1939 بزجر مخالفات تنظيم الصرف ومناشير مكتب الصرف؛ القانون 103.12 لمؤسسات الائتمان؛ القانون 43.05 لمكافحة غسل الأموال (المعدل بالقانون 12.18)؛ القانون 31.08 لحماية المستهلك؛ القانون 53.05 للتبادل الإلكتروني والقانون 09.08 لحماية المعطيات الشخصية؛ مسودة مشروع القانون 42.25 للأصول المشفرة (نونبر 2025).

2. المواقف الرسمية والاجتهاد القضائي: البلاغ المشترك لوزارة المالية وبنك المغرب وهيئة الرساميل (20 نونبر 2017)؛ بيان مكتب الصرف (نونبر 2017)؛ قرار محكمة النقض المغربية عدد 462/3 بتاريخ 24 مارس 2021 في الملف الجنائي عدد 1879/6/3/2020؛ مجلة سوق الرساميل (دجنبر 2025).

3. المراجع المقارنة والدولية: محكمة النقض الفرنسية (الغرفة الجنائية 15 فبراير 2023، طعن 22-81.326)؛ لائحة MiCA الأوروبية (UE) 2023/1114؛ التقرير والتحديث السابع لمجموعة العمل المالي FATF (يوليوز 2026).

أسئلة شائعة

هل تملك الأصول المشفرة والبتكوين صفة النقد القانوني بالمغرب؟

لا، فالأصول المشفرة تفتقر للقوة الإبرائية القانونية المنصوص عليها بالمادة 55 من القانون رقم 40.17 لكونها غير صادرة عن بنك المغرب.

ما هو الموقف القانوني من حيازة وتداول الأصول المشفرة وقوانين الصرف؟

مجرد الحيازة لا يشكل جريمة بذاته، لكن اقتناءها أو تحويل أموال للخارج دون ترخيص مكتب الصرف يعرض للمساءلة وفق ظهير 30 غشت 1949.

ما هي آفاق التقنين في ضوء مسودة مشروع القانون رقم 42.25؟

تضع مسودة القانون 42.25 إطاراً تنظيمياً لترخيص مقدمي خدمات الأصول المشفرة ومكافحة غسل الأموال، لكنها تظل مشروعاً لحين صدورها بالجريدة الرسمية.

هذا المقال يقدم معلومات عامة ولا يشكل استشارة قانونية. لكل ملف خصوصياته، وهو يستدعي دراسة مستقلة.

الأستاذ مسعود الغلمي، محامٍ بهيئة الدار البيضاء

عن الكاتب

الأستاذ مسعود الغلمي

محامٍ بالدار البيضاء

محامٍ بالدار البيضاء يمارس منذ سنة 2000، ومؤسس مكتب الغلمي للمحاماة والاستشارات والوساطة والتحكيم. يشتغل على الملفات المعقدة في العقار وحماية الملكية والقانون الجنائي والشركات والتركات، ويساهم بانتظام في تحليل القضايا القانونية في وسائل الإعلام المغربية والدولية.

المزيد عن الأستاذ →
واتساباتصال
راسلنا على واتساب