
تفاعلا مع ما يرد على الموقع من استفسارات وطلبات مشورة، فتحنا هذا الباب لتناول ما تثيره من إشكالات، وتوضيح أحكام القانون بشأنها وبيان الإجراءات العملية لحماية الحقوق، في صياغة عامة تتيح لعموم القراء الاستفادة منها، مع احترام خصوصية أصحابها وصون سرية معطياتهم، ودون الكشف عن هوياتهم أو التفاصيل التي تسمح بالتعرف عليهم. ولا تشكل الآراء المنشورة جوابا على حالة بعينها، إذ تظل المشورة الخاصة مرتبطة بدراسة الوقائع والوثائق وتقدير ظروف كل حالة.
وسنتولى العمل على نشر الجواب القانوني على الأسئلة التي ترد علينا في إطار طلبات المشورة.
أحد الورثة يرفض قسمة العقارات الموروثة، فكيف يحصل باقي الورثة على أنصبتهم؟
ترد على الموقع تساؤلات بشأن التركات التي تضم عقارا أو عدة عقارات، ويظل الورثة شركاء فيها لسنوات بسبب رفض أحدهم القسمة أو امتناعه عن الحضور والتوقيع، وقد يستأثر بعضهم بالسكن أو الاستغلال أو استخلاص الأكرية، بينما يتعذر على الباقين الانتفاع بأنصبتهم، فيثار التساؤل عن مدى تأثير هذا الرفض، وعن الإجراءات التي تسمح بإنهاء الشياع والحصول على الحقوق.
الأصل أن رفض أحد الورثة لا يحرم باقي الشركاء من المطالبة بالقسمة، فالقانون المغربي لا يجبر أحدا على البقاء في الشياع، ويخول لكل شريك اللجوء إلى المحكمة لطلب إنهائه، ولو كانت حصته صغيرة، غير أن ذلك لا يسمح بإجراء قسمة رضائية بالأغلبية وفرضها على الممتنع، وإنما يقتضي سلوك مسطرة القسمة القضائية عند تعذر الاتفاق، مع مراعاة وجود أي اتفاق مكتوب على البقاء في الشياع لمدة معينة، وما يتيحه القانون من إمكان طلب فسخه لمبرر مشروع.
وعمليا، تبدأ الإجراءات بجمع رسم الإراثة ووثائق الوفاة وسندات تملك الموروث، واستخراج شهادة ملكية حديثة لكل عقار محفظ، مع توفير الوثائق المثبتة للملكية بالنسبة إلى العقارات غير المحفظة، فرسم الإراثة يثبت صفة الورثة وأنصبتهم، لكنه لا يكفي وحده لإثبات أن كل عقار مطلوب قسمته كان مملوكا للموروث، وإذا توفي أحد الورثة بعده، وجب استكمال وثائق إراثته حتى يتحدد من انتقلت إليهم حصته.
ومن الضروري إعداد بيان بالممتلكات المطلوب قسمتها، يحدد موقع كل عقار ومرجعه ومساحته وشاغليه ومداخيله، وما يثقله من رهون أو حجوز أو حقوق للغير، مع ضبط أسماء جميع الشركاء وعناوينهم وأنصبتهم، والتحقق من وجود قاصر أو محجور أو وارث مقيم بالخارج، كما يتعين حصر ديون التركة والحقوق والوصايا التي يجب مراعاتها قبل توزيع صافيها.
ويستحسن، قبل رفع الدعوى، عرض تسوية واضحة على باقي الورثة، تتضمن قسمة عينية ممكنة التنفيذ، أو شراء بعضهم حصص الآخرين بالتراضي، أو بيع الممتلكات اتفاقا وتوزيع الثمن، ويمكن توجيه هذا العرض بواسطة مفوض قضائي مع تحديد مهلة معقولة للجواب، دون اعتبار هذه الدعوة شرطا عاما سابقا لقبول دعوى القسمة، فإذا استمر الامتناع، أمكن مباشرة الإجراءات القضائية دون انتظار موافقة الوارث الرافض.
وترفع الدعوى بواسطة محام أمام المحكمة المختصة، مع التمييز بين طلب قسمة التركة وبين قسمة عقار مشاع خارج إطار تصفيتها، فالمادة 302 من قانون المسطرة المدنية رقم 58.25 تجعل طلب قسمة التركة من اختصاص المحكمة الابتدائية لمحل افتتاحها، أي الموطن الحقيقي للموروث أو محل إقامته، بينما تخضع الدعوى العقارية، من حيث الأصل، لمحكمة موقع العقار، وتبرز أهمية التكييف الصحيح عندما تتوزع الممتلكات بين دوائر قضائية مختلفة.
ويجب أن تشمل الخصومة جميع الشركاء، فلا يكفي توجيه الدعوى ضد الوارث الممتنع وحده، ولو كان باقي الورثة موافقين على القسمة، كما يجب تقييد الدعوى تقييدا احتياطيا على الرسوم العقارية المعنية إذا تعلقت بعقارات محفظة، والإدلاء بما يثبت ذلك، عملا بالمادة 316 من مدونة الحقوق العينية، مع إدخال أصحاب الحقوق العينية المترتبة على العقار، كالدائن المرتهن وصاحب حق الانتفاع بحسب الحالة.
وإذا كان بين الورثة قاصر أو محجور، روعيت قواعد النيابة الشرعية والرقابة القضائية وتعارض المصالح، وإذا كان أحدهم بالخارج، تعين تحديد عنوانه واتباع إجراءات التبليغ المناسبة، أما عدم الحضور أو رفض التوقيع، فلا يمنح صاحبه سلطة وقف الدعوى بعد احترام التبليغ وحقوق الدفاع.
ويتجه الطلب إلى القسمة العينية متى كانت ممكنة، مع إجراء خبرة لتحديد قيمة الممتلكات وإمكان إفراز أنصبة مستقلة قابلة للانتفاع، وطلب البيع عند ثبوت تعذر القسمة، ولا يكفي أن يكون العقار قابلا للتقسيم من الناحية المادية، بل يجب احترام قواعد التعمير والتقسيم والضوابط الخاصة بطبيعته، والمحافظة على المنفعة المقصودة من كل جزء.
وإذا كانت التركة تضم عدة عقارات، فلا يعني ذلك بالضرورة تقسيم كل عقار إلى أجزاء صغيرة أو بيع الجميع، إذ يمكن بحث تكوين أنصبة متوازنة بالقيمة، مع مبلغ نقدي لتعديل الفارق عند الاقتضاء، متى سمحت الملكية والأنصبة والضوابط بذلك، غير أن هذه الإمكانية لا تخول أحد الورثة فرض اختصاصه بعقار يختاره، أو إلزام غيره بشراء حصته بالثمن الذي يحدده.
وتكتسي الخبرة أهمية عملية، لأنها تحدد ما إذا كانت القسمة قابلة للتنفيذ، فإذا انتهى الخبير إلى إمكان القسمة العينية، وجب بيان الأنصبة ومواقعها وحدودها ومساحاتها، وإعداد الملف التقني الذي تفرضه المادة 317 من مدونة الحقوق العينية، ولذلك ينبغي تقديم الملاحظات على أي نقص أو تقويم غير معلل، وطلب استكمال الخبرة عند الاقتضاء قبل اعتمادها أساسا للحكم.
أما إذا ثبت أن العقار لا يقبل القسمة العينية، أو أن قسمته تخالف القوانين والضوابط أو تحدث نقصا كبيرا في قيمته، فإن المحكمة تقضي ببيعه بالمزاد العلني، مع تحديد الثمن الافتتاحي بواسطة الخبرة واستكمال إجراءات البيع والإشهار والتبليغ، ومراعاة مقتضيات المادة 319 من مدونة الحقوق العينية بشأن استنفاد الحكم القاضي بالقسمة طرق الطعن العادية والنقض عند الاقتضاء.
ويجوز للورثة المشاركة في المزايدة وفق شروطها، دون أن تمنحهم صفتهم حق تملك العقار بالثمن الذي يختارونه، وبعد البيع وإيداع الثمن، يوزع الصافي بحسب الأنصبة، مع مراعاة المصاريف والديون والحقوق ذات الأولوية، ولذلك لا تنتهي المتابعة بمجرد صدور الحكم، بل تستمر إلى إتمام التنفيذ والتوزيع.
وإذا حكم بالقسمة العينية، استكملت إجراءات القرعة وتسليم الأنصبة وفق الحكم والقانون، ثم الإجراءات التقنية والعقارية اللازمة لتقييد الحقوق المفرزة بالنسبة إلى العقارات المحفظة، ولا يتوقف تنفيذ المقرر القضائي المستوفي لشروطه على توقيع رضائي جديد من الوارث الممتنع.
وبخصوص الأكرية والمداخيل التي ينفرد أحد الورثة بقبضها، يمكن المطالبة بتقديم الحساب وأداء نصيب باقي الشركاء، فالفصل 965 من قانون الالتزامات والعقود يلزم الشريك بالمحاسبة عما أخذه زائدا على نصيبه من غلة المال المشترك، ويستحسن لهذا الغرض الاحتفاظ بعقود الكراء والوصولات والتحويلات والمراسلات المثبتة للمداخيل وفترة قبضها.
أما التعويض عن الاستئثار بالسكن أو الاستغلال، فلا يستحق تلقائيا لمجرد إقامة أحد الورثة بالعقار، وإنما يحتاج إلى طلب محدد وإثبات ظروف الحرمان من الانتفاع ومدته، مع مراعاة أي اتفاق سابق، وعند وجود خطر عاجل على الممتلكات أو مداخيلها، يمكن بحث إجراء تحفظي أو حراسة قضائية متى توفرت شروطهما.
ويبقى الاتفاق ممكنا أثناء سريان الدعوى، فقد يتوصل الورثة إلى شراء الحصص أو البيع الرضائي أو قسمة تستوفي شروطها القانونية وتحفظ حقوق الجميع، أما توزيع الاستعمال مؤقتا، كأن يشغل كل وارث طابقا أو ينتفع بالعقار خلال مدة معينة، فلا يعد وحده قسمة نهائية للملكية.
وعليه، فإن الحصول على النصيب لا يتوقف على إقناع الوارث الرافض إلى ما لا نهاية، وإنما يمر عبر تجهيز الوثائق وضبط الحقوق، ثم محاولة التسوية، وعند تعذرها رفع دعوى مكتملة الأطراف والإجراءات، ومتابعتها إلى فرز الأنصبة أو توزيع ثمن ما يتعذر قسمته، مع المطالبة بالمداخيل المستحقة وحماية المال المشترك بحسب ظروف كل حالة.
هذا المقال يقدم معلومات عامة ولا يشكل استشارة قانونية. لكل ملف خصوصياته، وهو يستدعي دراسة مستقلة.

