تخطَّ إلى المحتوى الرئيسي
شراء شقة على التصميم وتعثر المشروع: حقوق المشتري ومسؤولية المنعش والموثق

في باب المشورة القانونية، شراء شقة على التصميم وتعثر المشروع، ما حقوق المشتري وما مسؤولية المنعش العقاري والموثق؟

قد يبرم المشتري وعدا بالبيع أو عقد حجز شقة على التصميم، ويسلم مبلغا مقدما على أساس إنجاز المشروع وتسليم الشقة داخل مدة متفق عليها، يتولى خلالها تدبير باقي الثمن، غير أنه يفاجأ بانقضاء الأجل دون اكتمال البناء، أو بغياب التراخيص اللازمة، أو بوجود اختلاف بين الأشغال المنجزة والمواصفات المتعاقد عليها، فتطرح مسألة إلزام البائع بالتنفيذ أو استرجاع الأموال والتعويض، ومدى مسؤولية الموثق عن العملية.

وتبدأ المعالجة القانونية من تحديد حقيقة الاتفاق، لأن تسمية الوثيقة وعدا بالبيع أو عقد حجز لا تكفي وحدها لتحديد النظام القانوني الذي تخضع له، فإذا كان البائع ملتزما بإنجاز عقار داخل أجل محدد ونقل ملكيته مقابل ثمن يؤدى تبعا لتقدم الأشغال، وجب بحث تطبيق أحكام بيع العقار في طور الإنجاز، كما تمم بها قانون الالتزامات والعقود بالقانون رقم 44.00 وعدل بالقانون رقم 107.12، مع مراعاة تاريخ التعاقد ومضمونه.

ويتعين التمييز بين غياب رخصة البناء عند التعاقد وبين عدم الحصول على رخصة السكن أو شهادة المطابقة عند التسليم، فعقد التخصيص لا يجوز إبرامه قبل الحصول على رخصة البناء تحت طائلة البطلان، كما يشترط القانون الحصول عليها لإبرام العقد الابتدائي، ولا يعتبر العقار منجزا قانونا بمجرد انتهاء الأشغال دون الحصول على رخصة السكن أو شهادة المطابقة، طبقا للفصل 618-15، ولذلك لا يكفي تأكيد البائع أن الوثائق ستستخرج لاحقا، بل يجب التحقق من وجودها ومن تعلقها بالمشروع المعني.

كما أن عقد التخصيص ليس وسيلة لإبقاء المشتري مرتبطا بالمشروع إلى أجل غير محدد، إذ ينظم القانون حق التراجع عنه، ويحدد مدة صلاحيته في ستة أشهر غير قابلة للتجديد، تنتهي بإبرام العقد الابتدائي أو التراجع واسترجاع المبالغ المسبقة، ومن ثم يتعين فحص مصير الحجز بعد انقضاء مدته، بدل اعتبار وصل الأداء وحده ضمانا كافيا لاقتناء الشقة.

أما اختلاف المساحة أو التقسيم أو التجهيزات أو المرافق عما تم الاتفاق عليه، فيقتضي مقارنة العقد ودفتر التحملات والتصاميم المرخصة بالأشغال المنجزة، فالفصل 618-7 يلزم البائع باحترام التصاميم الهندسية وأجل إنجاز البناء وشروط دفتر التحملات، ويستدعي الخلاف التقني الاستعانة بخبرة تحدد طبيعة المخالفة وجسامتها وإمكان إصلاحها، لأن النقص القابل للتدارك يختلف عن المخالفة التي تمس سلامة البناء أو تحول دون تسليمه وتملكه بصورة قانونية.

وإذا كان العقد صحيحا والتنفيذ ما زال ممكنا، أمكن للمشتري التمسك بإتمام الالتزامات والتسليم المطابق، ثم إبرام البيع النهائي عند تحقق شروطه، أما إذا تعذر التنفيذ أو أصبح استمرار العلاقة غير محقق لمصلحته بسبب إخلال البائع، فيبحث طلب الفسخ ورد التسبيقات والتعويض، بينما يطرح البطلان عند اختلال شروط صحة العقد، وهو تمييز ضروري لأن أساس استرداد الأموال والتعويض يختلف باختلاف الحالة، ولا يعوض الحكم القضائي التراخيص المطلوبة ولا يحول البناء المخالف إلى بناء مطابق.

وفي نطاق بيع العقار في طور الإنجاز، يخول الفصل 618-14 للمشتري فسخ العقد دون تحمل تعويض إذا تجاوز البائع أجل التسليم، مع مراعاة التمديد المنظم بالفصل 618-7، ويقرر له في هذه الحالة تعويضا قدره عشرون في المائة من المبالغ المؤداة، كما ينظم الفصل 618-12 تعويض التأخير بنسبة واحد في المائة عن كل شهر من المبلغ المؤدى، في حدود عشرة في المائة سنويا، بعد مرور شهر على توصل الطرف المخل بالإشعار القانوني، مع ضرورة بحث شروط الاستحقاق وعدم افتراض الجمع بين التعويضات بصورة آلية.

ولا يجعل استعمال تسبيقات المشترين في البناء هؤلاء شركاء في المشروع أو ملزمين بتحمل تعثره، كما لا يكفي هذا الاستعمال وحده لإثبات النصب، بل يجب التحقق من ظروف قبض الأموال وصحة المعطيات المقدمة ووجهة المبالغ، فالمنعش يبقى ملزما بتنفيذ تعهداته، ولا يكفي احتجاجه بإنفاق التسبيقات في الأشغال لتبرير عدم التسليم أو الامتناع عن الرد متى ثبت موجبه.

أما الموثق، فإن الالتزام بإنجاز البناء وتسليم الشقة لا يقع عليه لمجرد تلقي العقد، وإنما يتحمل مسؤولية احترام واجباته المهنية، وتؤسس المواد 26 و27 و28 و37 من القانون رقم 32.09 لمسؤوليته عن أخطائه المهنية وعن البيانات التي يعلم مخالفتها للحقيقة أو كان بإمكانه معرفتها، وعن الضرر الناتج عن بطلان العقد بسبب خطئه، كما تلزمه بالتحقق من الوثائق وإسداء النصح وتوضيح آثار التعاقد، ولذلك تقوم مساءلته على إثبات إخلال محدد وضرر وعلاقة سببية بينهما.

وتكتسي حركة الأموال أهمية خاصة في تحديد هذه المسؤولية، إذ تمنع المادة 33 من القانون نفسه الموثق من استعمال الأموال المؤتمن عليها، ولو مؤقتا، في غير ما خصصت له، وتلزمه بإيداعها بصندوق الإيداع والتدبير وفق النظام القانوني، كما يمنع القانون محرر العقد من الإفراج عن الأقساط المودعة لديه لفائدة البائع قبل الحصول منه على الضمانة التي تغطي كل قسط، مع مراعاة الاستثناءات القانونية المتعلقة بالضمان.

وعليه، ينبغي التمييز بين تسليم الأموال مباشرة إلى المنعش وإيداعها لدى الموثق، والتحقق مما إذا كانت لا تزال مودعة أو تم تحويلها، ولمن وبأي سند، فإذا ثبت أن الموثق استعملها لحسابه أو حولها خلافا لوجهتها أو أفرج عنها دون احترام الشروط القانونية، أمكن بحث مسؤوليته وما يترتب عنها من رد أو تعويض بحسب الحالة، أما إلزامه بإنجاز البناء شخصيا فلا يستند إلى مجرد صفته كموثق، بل يتطلب التزاما مستقلا يثبت في مواجهته.

وعمليا، يتعين جمع العقد وملحقاته ووصولات الأداء والتحويلات والمراسلات، والتحقق من ملكية الأرض والتحملات والتراخيص والضمانات، ثم إثبات حالة المشروع بمعاينة مفوض قضائي وخبرة عند الحاجة، وتوجيه إنذار إلى البائع يحدد الإخلال والمطلوب منه، وإنذار مستقل إلى الموثق عند الاقتضاء يطلب بيان المبالغ المتلقاة ومصيرها وتواريخ تحويلها والمستفيد منها وسند الإفراج عنها، حتى تبنى المطالبة على وقائع ووثائق محددة.

وبعد ذلك تختار الدعوى المناسبة، بالتنفيذ أو الفسخ أو البطلان ورد المبالغ، مع بحث التدبير التحفظي الملائم لحماية المطالبة بحق عقاري أو ضمان استرداد الأموال، بحسب موضوع النزاع وشروط كل إجراء، وإذا كشفت الوثائق عن قرائن احتيال أو تبديد أموال مؤتمن عليها، يدرس المسار الجنائي والتأديبي إلى جانب المطالبة المدنية، دون اعتبار الشكاية وحدها ضمانا لاسترجاع المبالغ.

ولا ينبغي أداء تسبيقات إضافية اعتمادا على وعود جديدة غير موثقة، كما لا ينبغي التوقف الاعتباطي عن الأقساط دون تحديد مدى استحقاقها، بل يجب توثيق موقف المشتري واستعداده للوفاء عند تحقق الشروط، لأن حماية حقوقه تقتضي أيضا تجنب ما قد يستعمل لإسناد الإخلال إليه.

وتبقى هذه المشورة عرضا لمبادئ قانونية عامة، لا يمكن تطبيقها على كل حالة بصورة موحدة، ولا تغني عن استشارة ذوي الاختصاص بعد الاطلاع على العقد والوثائق والتحقق من الوقائع، فلكل قضية خصوصياتها من حيث تاريخ التعاقد وطبيعة الالتزامات والتراخيص والضمانات ومسار الأموال، وقد يكون الإجراء المناسب في قضية غير ملائم لقضية أخرى، لذلك يتعين الحصول على استشارة خاصة قبل اتخاذ أي إجراء أو ترتيب أي أثر قانوني.

قانون العقار والتعمير

هذا المقال يقدم معلومات عامة ولا يشكل استشارة قانونية. لكل ملف خصوصياته، وهو يستدعي دراسة مستقلة.

الأستاذ مسعود الغلمي، محامٍ بهيئة الدار البيضاء

عن الكاتب

الأستاذ مسعود الغلمي

محامٍ بالدار البيضاء

محامٍ بالدار البيضاء يمارس منذ سنة 2000، ومؤسس مكتب الغلمي للمحاماة والاستشارات والوساطة والتحكيم. يشتغل على الملفات المعقدة في العقار وحماية الملكية والقانون الجنائي والشركات والتركات، ويساهم بانتظام في تحليل القضايا القانونية في وسائل الإعلام المغربية والدولية.

المزيد عن الأستاذ →
واتساباتصال
راسلنا على واتساب